عــاجــل
الطاولة السعودية تكتسح منافسات الدوحة.. و61 ميدالية ترفع رصيد المملكة خليجيًا«روضة رياحين الرُّفَيْعة» بجمعيّة أمّ الحمام الخيريّة تحقّق مستوى «التميّز» بنسبة 97% في تقرير التقويم الذاتيّوزارة البلديات والإسكان تنفذ أكثر من (11) مليون متر طولي وترفع جاهزية (74) مليون م² من الطرق بمكة والمشاعرالأمن العام يضبط مقيمًا ومقيمة لنشرهما إعلانات حج وهمية عبر مواقع التواصلالأمن العام يستعرض أحدث تقنياته الأمنية والذكية في منتدى الصحة والأمن بالحجالمتحدث بأسم وزارة الدفاع “اعتراض وتدمير 3 مسيّرات اخترقت المجال الجوي للمملكة قادمة من الأجواء العراقية”📞 تجمع الشرقية الصحي يطمئن هاتفيًا على الحجاج قبل المناسك ويعزز جاهزيتهم الصحية🏥 مركز المراقبة الصحي بجسر الملك فهد يرفع جاهزيته لخدمة الحجاج القادمين من البحرينإبراهيم المطرود.. مسيرةُ تربيةٍ وتعليم«شاركني» و«إتقان» تبحثان تعزيز التعاون وتطوير العمل التنموي والمؤسسي
الطاولة السعودية تكتسح منافسات الدوحة.. و61 ميدالية ترفع رصيد المملكة خليجيًا«روضة رياحين الرُّفَيْعة» بجمعيّة أمّ الحمام الخيريّة تحقّق مستوى «التميّز» بنسبة 97% في تقرير التقويم الذاتيّوزارة البلديات والإسكان تنفذ أكثر من (11) مليون متر طولي وترفع جاهزية (74) مليون م² من الطرق بمكة والمشاعرالأمن العام يضبط مقيمًا ومقيمة لنشرهما إعلانات حج وهمية عبر مواقع التواصلالأمن العام يستعرض أحدث تقنياته الأمنية والذكية في منتدى الصحة والأمن بالحجالمتحدث بأسم وزارة الدفاع “اعتراض وتدمير 3 مسيّرات اخترقت المجال الجوي للمملكة قادمة من الأجواء العراقية”📞 تجمع الشرقية الصحي يطمئن هاتفيًا على الحجاج قبل المناسك ويعزز جاهزيتهم الصحية🏥 مركز المراقبة الصحي بجسر الملك فهد يرفع جاهزيته لخدمة الحجاج القادمين من البحرينإبراهيم المطرود.. مسيرةُ تربيةٍ وتعليم«شاركني» و«إتقان» تبحثان تعزيز التعاون وتطوير العمل التنموي والمؤسسي

إبراهيم المطرود.. مسيرةُ تربيةٍ وتعليم

سمير ال ربح

سمير آل ربح

بعد زهاء ربع قرن من خدمةٍ متواصلة وعمل دؤوب في التربية والتعليم يترجلُ الفارس ُإبراهيم بن عبَّاس المطرود عن دِكَّة التعليم. سنوات عديدة قضاها في وسط التعليم الثانوي مُعلمًا ومربيًّا، أقام له طلابه حفلًا بهيجًا احتفاءً به وتكريمًا له وتقديرًا لجهوده. وفي هذه المحطة من محطات حياته أتوقف قليلًا راصدًا ملامحَ شخصيته ونشاطاته في هذا المجال، وأنا حين أتحدثُ عنه فإنما أتحدثُ عن أخٍ مؤمنٍ وصديقٍ صادقٍ وزميلٍ نَشِطٍ وشريكِ نجاحٍ ورفيقِ دربٍ وفيٍّ؛ إذ تَرجِع معرفتي وصلتي وعلاقتي به إلى ما يزيد عن أربعة عقود.

وأظنُّ بل أتيقَّنُ أنَّ ما سأذكره، سيوافقني عليه كلُّ مَنْ عرَفه أو صادقه أو عمل معه، وما أكثر أصدقاءه ومعارفه! وما أوسع الدائرة التي كان ولازال يتحرك فيها! ولو رسمنا لها قِطرًا لامتدت إلى خارج أرجاء الوطن.

معلمٌ أستاذٌ أبٌ أخٌ صديقٌ مربٍّ فاضلٌ رجلٌ. هو أحد هذه العناوين أو أكثر لكل من عرفه أو رافقه أو صادقه أو مرَّ به.

ولأننا في حفل تكريمه بمناسبة انتهاء خدمته الطويلة في التعليم، وانتقاله للتقاعد؛ فإننا سنقتصر في الحديث عن معالم شخصيته على الجو العام الذي كان يعيشه في التربية والتعليم إعدادًا وتطبيقًا وممارسة.

مرحلة الإعداد العام

يشكِّل الإعدادُ العام لشخصيته المحورَ الأساسَ الذي ينطلق منه في أعماله ونشاطاته، ومنها بل على رأسها الدور الذي لعبه في الميدان التربوي، هذا الإعداد الذي يرتكز على:

1- الإيمان الرَّاسخ الواعي، فهو القاعدة التي ينطلق منها. (الله) سبحانه أمامه، يبتغي الثواب والأجر في كل خطواته، وكل حركاته وسكناته. يتضح هذا جليًّا في مواظبته على صلاة الجماعة مأمومًا وإمامًا، فهو حليفُ المساجد، وفي إدمانه للحج والعمرة والزيارة، وفي حضوره في المحافل العبادية ومجالس الذِّكر، وفي ترديده لذكر الله على لسانه وقلبه، وفي حفظه لآيات القرآن الحكيم والحديث الشريف ونصوص الأدعية والزيارات، وفي ولائه لأهل بيت العصمة والطهارة.

2- الأخلاق الفاضلة: التواضع، الكَلِم الطيِّب، الابتسامة، ومجمل الخلق الرَّفيع. وفي الجهة المقابلة يتجنب -ما استطاع إلى ذلك سبيلًا- كل ما ينافي الأخلاق، من الكلمات النَّابية أو التقريع والتوبيخ أو الغلظة والخشونة. همس في أذني ذات يوم قائلًا: إني لم أمدَّ يدي على طَالبٍ قطُّّ، ولم أتلفظْ عليه بكلمة جارحة. أينما ذهب ومع من التقى فإنَّ لسانَه يقطُر عسلًا وفمَه يذوب شَهدًا.

3- علو الهمة والطموح الذي يلامس هامَ السحاب، الإبداع والتجديد. عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «قَدْرُ الرَّجُلِ على قَدْرِ هِمَّتِه وصِدْقُه على قَدْرِ مُرُوءَتِه» [نهج البلاغة، الحكمة 39]؛ لذلك كان يحلو له التحليق كطائر يعانق السماء. كثيرًا ما كان يقول لي: هذه الفكرة تُطربني/ أجد نفسي في هذا المشروع، أو يطلب مني أفكارًا لا تخطر على البال الفاتر: أعطني أفكارًا مجنونة. يقصد التفكير خارج الصندوق والخروج عن المألوف وكسر الرتابة والابتعاد عن الروتين.

4- السعي في قضاء حاجات المؤمنين وعموم النَّاس وتلبية طلباتهم، حتى إنه يتكرَّر على لسانه حين يُطلب منه شيء قولُه: عيوني لك. قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): خِصلتَانِ ليس فوقَهما مِنَ البِرِّ شيءٌ: الإيمانُ باللهِ، والنفعُ لعباد الله. [طرائف للحكم، الميرزا الآشتياني، 1/ 179]، فهو ناشط اجتماعي. كان من مؤسسي المشاريع الخيرية التي تخدم المجتمع وعلى رأسها مهرجان الصفا للأعراس بمدينته صفوى، وصندوق الزواج الخيري، والمسابقة الثقافية الرمضانية التي كان يُقيمها (ولازال) في موسم شهر رمضان المبارك.

5- المهارات المتعددة والمواهب الكثيرة، منها: مهارة الخط بأنواعه، وعلى رأسها الثُّلُث، إلى درجة أنه امتهنَ (الخط) على اللوحات والأقمشة والأسطح زمنًا من عمره، بل يعد أحد خطاطي المنطقة.

ومنها مهارة الإلقاء والارتجال أمام الجمهور، فكم وكم وقف قائمًا يحدِّث جمهورًا أو مؤمنين أو طلابًا في محفل اجتماعي أو ديني أو طلابي. أوصلته هذه المهارة لمنصات التكريم، ومنها حين اشترك في مسابقة (الإلقاء الخطابي) التي نظمتها جامعة الملك سعود في عام 1423هـ على مستوى طلاب الجامعة؛ فحاز المركز الثاني بعد الطالب أوس ابن الدكتور إبراهيم الشمسان، فنال (المطرود) الجائزةَ مبلغَ سبعةِ آلاف وخمسِمئةِ ريالٍ.

ومنها مهارة الإدارة والقيادة، وهذه المهارة جعلته في الأمام حيثُ يكون، ومكَّنته أن يُدِيرَ مشاريعَ متعددةً وبرامجَ كثيرةً.

ومنها مهارة الكتابة والتأليف ونظم الشِّعر، هذه المهارة جعلته يسترسل في كتابة مقالات متتالية في (رسالة الجامعة)، تلك الصحيفة التي كانت (ولازالت) تصدر أسبوعيًامن جامعة الملك سعود بالرياض، استغلَّ وجوده طالبًا في الجامعة، فنَشر نحو ستين مقالًا في هذه الصحيفة الغرَّاء، منها مقال بعنوان: ضائع ومضيَّع في أروقة الجامعة، وآخر بعنوان: ملاحظات طفل صغير على جامعتنا العريقة، وجاء هذا المقال إثر اصطحابه لابنه عليٍّ ذي ست السنوات آنئذٍ إلى أروقة الجامعة وساحاتها، وبحسِّه النقدي (أي حس الطفل) أخذ يرصد بعض الملاحظات (السلبية) والأب يدوِّنها في ذهنه إلى أن سطَّرها في مقالٍ نُشر في (رسالة الجامعة) سبَّب ردودَ فعلٍ عديدةً اتصل به على إثرها رئيسُ هيئة التحرير مُثنيًا عليه شاكرًا له. وأنا أشدُّ على يديه أن يُخرِجَ هذه المقالات من أرشيفها ويجمعَها ثم يضمَّها بين دفتي كتاب يُقرأ، تأريخًا لمحطةٍ من محطات حياته،وحفظًا لجهوده التي بذلها، وتعميمًا للفائدة، ونشرًا للعلم. كما أن له ديوانَ شعرٍ ولائي لازال حبيس الأوراق، مركونًا بين الملفات، يُخشى عليه من الضياع.

6- الثقافة والاطلاع الواسع، يحرص على اقتناء الكتب التي تكون في دائرة اهتمامه سواءٌ منها الدينية والثقافية والتاريخية والأدبية واللغوية، يتفقد معارض الكتاب ليلتقط منها ما يروق له ويُشبع نَهَمَه. لديه مكتبة خاصة يجول فيه بفكره ويستريح إليها. زوَّده هذا الاهتمام بثقافة واسعة ومتنوعة في الدِّين والثقافة والتاريخ واللغة والأدب، ويكفي أن نعرفَ أنه يحفظُ نحو ألفِ بيتٍ مِنَ الشِّعر عن ظهر قلب. هذا الاطِّلاع هيَّأه لأن يكونَمتحدثًا مفوَّهًا يرتجل ببداهة؛ فنَمَّتْ لديه مهارةَ التحدُّث والإلقاء على المنصات وفي الفصل وفي البيئة المدرسية والاجتماعية على حدِّ سواء؛ فلا فرق لديه بأن يُلقي كلمةً.. خطابًا.. محاضرةً .. درسًا بإعداد سابق أو من دونه، وإن كان يَحرِص على الإعداد المتقن خصوصًا حين يتعلق الأمر بدرسٍ سيقدِّمه في اليوم التالي، أو حفل سيُهيِّئ فَقْراته في الموعد القادم.

في أروقة الجامعة

التحق بجامعة الملك سعود بالرياض، كلية الآداب، قسم اللغة العربية، ليتخصص في اللغة العربية وآدابها سنة 1419هـ، ومن أول يوم وضع رجله فيها شمَّر عن سواعد الجدِّ، وأخذ يسجِّل الساعات الدراسية بأكبر قدْرٍ ممكن، واضعًا الهدفَ أمامه: إتقان التعلُّم وسرعة الإنجاز، وهو يردِّد قول أحمد شوقي:

وَما نَيلُ المَطالِبِ بِالتَمَنِّي

 

وَلَكِن تُؤخَذُ الدُنيا غِلابَا

وَما استَعصى عَلى قَومٍ مَنالٌ

 

إِذا الإِقدامُ كانَ لَهُم رِكابَا

ذاع صيتُه في القسم مع أساتذته وبين زملائه الطلاب. لم يكن متلقيًّا في أثناء المحاضرات فحسب، بل مشاركًا: بالنقاش والتعليق والإضافة والإشكال والأخذ والرَّد. لفت أنظار أساتذته، فأولوه عناية أكثر من بقية الطلاب، يجلس معهم في مكاتبهم في الساعات المكتبية المخصصة للطلاب، بل وفي غيرها، حتى وصل الأمر إلى تكوين علاقات شخصية معهم. وتنتقل بي الذاكرة هنا حينما كنتُ أحضِّر الماجستير في الجامعة ذاتها وفي الزمن ذاته، وحين وصلتْ بي الدراسة إلى تسليم الرسالة، اقترح عليَّ أستاذي الدكتور محمد لطفي الزليطني أن أعرض هذه الرسالة التي كانت بعنوان (ظاهرة الحذف عند الزَّجَّاج في كتابه معاني القرآن وإعرابه)، على إبراهيم المطرود ليراجعها ويدقِّق فيها وفيما تناولتْه من الزاوية اللغوية والبحثية. ولم يكن يعلم الدكتور المشرف مدى علاقة الأُخوة والصداقة التي تربطني بأبي علي. هذا الموقف يوضِّح مدى ثقة أساتذته بتحصيله ومقدرته اللغوية والأدبية.

في المكتبة المركزية

وفي أروقة الجامعة الأخرى، ومرافقها المتعدِّدة كانت له صولات وجولات، على رأسها المكتبة المركزية، إذ وَجد فيها بأدوارها الستة- كنزًا معرفيًا لا بد من الاستفادة منه، فكان يقضي يوميًا ساعاتٍ للقراءة والبحث والاغتراف من نمير هذا المعين العذب. عن أمير المؤمنين (عليه السلام): مَنهُومَانِ لا يَشبعان: طَالِبُ العِلْمِ وطَالِبُ دُنيا [نهج البلاغة، ص 556]. حتى إنه خُصِّصت له (كبينة) وهي غرفة خاصة داخل المكتبة فيها مكتب، يضع فيها الكتب التي يقرؤها ولوازم البحث، وفي الأصل هذه الغُرف مخصصة لأساتذة الجامعة ولطلاب الدراسات العليا. ولا أدري كم من الكتب قرأ، لكنها كثيرة.

مرتبة الشرف الأولى

استطاع بجديته ومثابرته أنْ ينال درجة البكالوريوس في اللغة العربية وآدابها في وقت قياسي، ثلاث سنوات، أخذ يدرُس صيفًا وشتاءً وخريفًا وربيعًا، ولو كان النظام ُيسمح لاجتاز دراسته في سنتين ونصف، حتى إن الدكتور محمد الهَدْلق (رحمه الله) وكان وكيلًا لكلية الآداب حينها كان يوليه عناية خاصة في تسجيل المقررات، قائلًا -على سبيل الظرافة-: أَحلِب لك مِـنَ الجَمل لَبن، أي: أصنع لك المستحيل لتلبية طلبك فيما يتعلق بدراستك. وفي الأخير نال مرادَه وتخرَّج في الجامعة بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف الأولى بمعدل 4.76 من 5، وهدية نقدية بـ 10.000 ريال.

في بيئة المدرسة

جاء المعلِّم إبراهيم المطرود إلى مدرسة الأوجام الثانوية وهو متسلِّح بالإيمان العميق بالله، وبالتديُّن الحقيقي، وبالمعرفة الواسعة في الثقافة والأدب، وباستيعاب تام لتخصصه (اللغة العربية وآدابها)، وبالمهارات آنفة الذكر، وبإخلاص نقي، وبهمة عالية وطموح لا يرتطم بشيء، ليبدأ فيها رسالة التربية والتعليم. لم يكن التعليم مجرد وظيفة يتقاضي بها راتبًا شهريًّا ومصدرَ رزقٍ فحسب، بل أكثر من ذلك. إنها رسالة، وأية رسالة؟ رسالة الأنبياء والأئمة والمصلحين الذين يرومون تهذيب النفس وتزكيتها، متمثلًا قول أحمد شوقي في رائعته ذائعة الصيت:

أَعَلِمْتَ أَشرَفَ أَو أَجَلَّ مِنَ الَّذي

 

يَبني وَيُنشِئُ أَنفُسًا وَعُقولَا

كان مرماه البعيد أن يحقِّق أهدافًا تربوية، فنظر إلى طلابه على أنهم أبناؤه، مسؤولٌعن تنشئتهم تنشئة طيبة مباركة، كأبنائه في البيت؛ ومن هنا نشأت علاقة حميمية بينه وبينهم لا تنتهي بانتهاء ثلاث سنوات يقضوها بين جدران المدرسة، بل تمتدُّ سنواتٌ بعدها في تواصلٍ مستمر واستشارة لازمة وتشجيع لا يتوقف. يذكرونه ويذكرهم، يحترمونه ويحترمهم، ويُثنون عليه ويثني عليهم، فأية علاقة أسمى من هذه العلاقة.

تقاطعتُ معه في النشاط المدرسي؛ إذ كان رائدَ نشاطٍ، وكنتُ. يصطحب طلابه إليَّ، وآخذ طلابي إليه. نطرح الأفكار الصامتة، ونبلورها، نعقد الاجتماعات، ونناقش إلى أن نصل إلى الصورة النهائية، ثم نحوِّلها إلى مشاريع متحركة على أرض الواقع.

 المسابقة الثقافية

استطاع برفقة زملائه وبدعمٍ مَبسوطِ اليد من الهيئة الإدارية وعلى رأسهم مديرو المدرسة المتعاقبون على إدارتها أن يحوِّل جدران المدرسة إلى بيئة جاذبة للطلاب، ينتمون إليها، ويرغبون فيها، وينتظرون المشاركة في البرامج التي يقدِّمها، وعلى رأسها المسابقة الثقافية التي بدأها منذ وقت مبكر من التحاقه بسلك التعليم. هذه المسابقة التي دأب على تقديمها كل صباح من دون كلل ولا ملل. يأتي إلى المدرسة باكرًا؛ فلا مجال للتأخير إلا لعذر قاهر، وقلَّما يحصل. يقف شامخًا أمام طلابه مرتجلًا الحديث ومُعِدًّا لأسئلة المسابقة الثقافية – الحركية، فإذا بالطابور الصباحي يتحول إلى ساحة منافسة تشرئب لها أعناقُ الطلاب تارة مشاركين وأخرى متابعين في انتظار الفائز هذا اليوم، وصولًا إلى تتويج الفائز في نهاية الفصل الدراسي، في دوري ثقافي تتجلَّى فيه قِيم المنافسة الشريفة وإثبات الذات والإنجاز والفوز والاحترام والتقدير. وأتوقف عند قيمة الانتماء للمدرسة التي يحرص رائد المسابقة على تنميتها في نفوس أبنائه، وقد قصَّ عليَّ قصصًا في هذا الشأن لا مجالَ لذكرها في هذه المساحة الضيقة.

وبذكاءٍ لافت يوظِّف أبو علي مهارة الخط التي يُتقنها لربط طلاب المدرسة بالمسابقة حين يَخُطُّ أولًا بأول لوحاتٍ يقرؤها الصَّاعدون والنَّازلون على سلم المدرسة وجدرانها، فأنى يمَّم الطالبُ وجهَه رأى النتائجَ والعبارات المحفِّزة.

أخذتْ هذه المسابقةُ اهتمامًا من الوسط التربوي على مستوى القطاع؛ فحضرها المشرفون والمعلمون وطلاب المدارس الأخرى، وعلى رأس الهرم التعليم في قطاع القطيف ممثلًا في مدير مكتب التعليم آنئذٍ الأستاذ عبدالكريم العليط الذي أثنى على المسابقة وهاتف رائدها شاكرًا له شادًّا على يديه، حتى إن لجنة التقويم الشامل التي رصدت المسابقة مدة أسبوع دراسي أبدت إعجابها بها وأثرها في انتظام الطابور الصباحي،وأنها (اللجنة) لم ترَ طابورًا بهذه الفاعلية والحيوية في المدارس التي زارتها في شرق المملكة وغربها.

وتموجَّت المسابقة في الأوساط التربوية وفي المدارس المحيطة، ورصدها الإعلام وتردَّد صداها على مستوى الوطن؛ وحضر التلفزيون السعودي لينقل بثًّا مباشرًا لنهائي المسابقة لسنة 1435هـ في برنامج (المملكة هذا الصباح).

 برامج أخرى

كان يصول ويجول في تقديم برنامجَي: بِر الوالدين، وتجارب ناجحة، على مستوى مدارس القطاع، بل وخارجها في الوسط الاجتماعي؛ فالبرنامج الأول رصد فيه حالات ٍواقعيةً عن بِر الوالدين ينقلُها ويشرحُها لحاضري البرنامج طلابًا وغيرَهم من شرائح المجتمع، تعزيزًا لهذه القيمة النبيلة وترسيخًا لها خصوصًا في نفوس الناشئة. ومثله (تجارب ناجحة)، وهي قصص نجاح وحكايات إبداع واقعية (وليست من محض الخيال)، أينما وَجد قصَّةَ نجاحٍ وثَّقها وأخذ في الحديث عنها عبر برنامجٍ منظَّم وعرضٍ أنيق، يهدف إلى أن النجاح متاح للجميع، فلنحدِّد أهدافنا ولنسعَ إلى تحقيقها؛ فـ ما رام امرؤ شيئًا إلا بلغه أو دونه، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): “مَنْ طَلَبَ شيئًا نَالَهُ أو بَعضَه” [نهج البلاغة، الحكمة 386].

ويطول الحديثُ إذا أردنا أن نشرح البرامج والأنشطة التي نفَّذها في أثناء خدمته التعليمية، وحسبي أن أذكرها تِعدادًا:

أ- دورات القدرات في جانبها اللفظي على مدار العام لطلاب الصف الثاني والثالث الثانوي. يُخصِّص حصصَه الدراسية في كل خميس لتدريب الطلاب شيئًا فشيئًا إلى أن يتقنوا المهارات المستهدفة.

ب- مسابقة الإلقاء الخطابي.

ج مسابقة الإلقاء الشعري.

د- برنامج إدخال السرور، في الطابور الصباحي من كل يوم خميس تكريم بالهدايا والشكر والثناء والتقدير لطالب متفوق أو معلِّم متميِّز أو عامل مخلص أو لطلاب حققوا إنجازات لافتة.

هـ – مدرستي نظيفة، ودقيقة نظافة.

و- سوق عكاظ، يهدف إلى تدريب الطلاب على التسويق والتجارة.

ز- مهارة عرض كتاب، يُدرِّب فيه طلابه على مهارات القراءة والفهم والاستيعاب والنقد.

في بيئة الفصل

أما في بيئة الفصل وفي أثناء الحصص الدراسية، فهو المعلِّم الملتزم بدوامه، لا يتأخر عن حصصه، يبسط ما لديه من مادة متعلقة بالدرس: نحوًا وصرفًا وبلاغةً وأدبًا ونقدًا، بأسلوب رشيق، ولسان فصيح، وبدعابة مريحة، على نحو إستراتيجية التدريس بالمرح، مستعينًا بعروض تقديمية (بور بوينت).

ومما يحضرني في هذا الشأن أنه انبرى لتدريس مادة (التفكير الناقد)، وهي مادة جديدة فيها من الصعوبة ما فيها، باستيعاب المطالب والأفكار (الدسمة) المحشورة في هذا المقرر. إنها بحاجة إلى معلِّم جسور، يقتحم الصعاب، ويتجاوز العراقيل، فما كان منه إلا أن التحقَ بجامعة الإمام عبدالرحمن الفيصل في الفترة المسائية من وقته الخاص ومن دون مقابل مادي، ليعُود طالبًا يدرُس المقررات ويذاكر المواد ويختبر وينجح. لِـمَ كل ذلك، وهو على وشك التقاعد؟ فما هي إلا نحو ثلاث سنوات ويغادر. والجواب من أجل أن يحصل على دبلوم يؤهله بجدارة أن يدرِّس هذه المادة، وهذا ما حصل فقد وصل إلى مرامه بامتياز.

بلدة الأوجام

كوَّن هذا النشاطُ المدرسي الفاعل وهذه الحركة الدؤوبة شبكةَ علاقاتٍ امتدَّت خارج المدرسة مع أولياء الأمور؛ فإذا بهم يتحولون إلى أصدقاء وإخوة، تُوجَّه له الدعوات في الأفراح فيسعى للمشاركة والتبريك والدعاء، وتعنيه الأتراح فيذهب معزيًا وداعيًا مرة أخرى. وأصبحت بلدةُ الأوجام بلدتَه الأخرى إضافة إلى مدينته الأساس (صفوى)، حتى إنه أوصى أن يُدفن في مقبرتها -بعد عمر طويل-، تلك المقبرة التي يُعتقد أنها ضمَّت جسدَ نبيٍّ من أنبياء الله. ولَّدت هذه العلاقة حبًّا منقطع النظير، فإذا بهذه البلدة آباء وطلابًا سابقِين ولاحقِين تهبُّ حين تقاعده لتكريمه بعشرات الهدايا والتُّحف، ما يعطي انطباعًا واضحًا لهذه المحبة الراقية والتقدير الوافي والتكريم المستحَق.

يترجل الفارس وهو فارس

وها هو يغادر التعليم وهو في أوج نشاطه، أرأيت متسابقًا يصل إلى نقطة النهاية إلَّا وأنفاسه تتقطع؟! لكن متسابقنا يصل إلى نقطة النهاية وكأنه في نقطة البداية نشاطًا وحيويةً وحراكًا وعملًا دؤوبًا، ولسان حاله: ليتني لم أصل إلى المنتهى، لأنه لازال لدي ما أقدِّمه لطلابي.. لأبنائي.. لمدرستي. ولكن هذا هو نظام العمل الذي يقتضي أن يتوقف الموظف حين يبلغُ سِنًّا معيَّنة بغض النظر عن أية ظروف أخرى. وحسبه أن يكون طلابه بمثابة صدقة جارية تدرُّ عليه الحسنات، بتربيته لهم وتعليمه إياهم، وصقله لمواهبهم، ودعمه وتشجيعه وإنارة طريقهم، وبالكلم الطيب: “يا أبا ذَرٍّ، الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ” [الوسائل، الحر العاملي، 5/ 233].

أسأل اللهَ تعالى أن يُجزِلَ للأستاذ المطرود مثوبته، ويضاعفَ حسناتِه ويباركَ له في عُمره، إنه سميعٌ مُجيب.

والحمدُ للهِ ربِّ العالمين.

 

 

 

مساحة إعلانية مميزة

احصل على خصم 50% عند حجز هذه المساحة. العرض لفترة محدودة.

شارك الخبر
على

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

المزيد من الاخبار