سيهات : المدار نيوز
لم تكن أم صالح سليس امرأةً عادية في ذاكرة أهالي سيهات، بل كانت حكاية رحمة تمشي بين الناس، ووجهًا يعرفه الجميع حين تضيق الحياة وتثقل القلوب بالألم والخوف.
في زمنٍ كانت فيه البيوت مفتوحة والقلوب أقرب لبعضها، كانت أم صالح أشبه بالأمان الذي تلجأ إليه النساء. لم تحمل شهادةً طبية، لكنها حملت قلبًا يعرف كيف يخفف الوجع، وكيف يزرع الطمأنينة في النفوس بكلمة حنونة ولمسة مليئة بالرحمة.
لم تكن تطلب أجرًا، ولم تنتظر مقابلًا من أحد. كانت ترى أن أعظم ما يمكن أن تكسبه هو دعوة صادقة من أمٍ فرحت، أو ابتسامة طفل عاد هادئًا إلى حضن والدته بعد ليلةٍ طويلة من البكاء.
ابنها رضا، وهو يكتب عنها بعد رحيلها، لم يكن يرثي أمًا فقط، بل كان يرثي زمنًا كاملاً من البساطة والإنسانية والرحمة التي أصبحت نادرة. كتب وكأن قلبه لا يزال متعلقًا بصوتها، وكأن البيت بعد غيابها فقد شيئًا من روحه.
يقول إن الناس كانوا يقصدونها من سيهات والدمام ومناطق أخرى، يحملون الأمل في قلوبهم، ويعودون وهم يرددون الدعاء لها. كم امرأة جاءت إليها مثقلة بحزن تأخر الحمل، فخففت عنها بكلماتها وحنانها، ثم عادت بعد أشهر تحمل طفلها وتذكر أم صالح بالدعاء والامتنان.
وكم أمٍ حملت طفلها الرضيع باكية لأنه لا يهدأ ولا يقبل الحليب، فتأخذه أم صالح بحنانها المعهود، وكأنها تعرف كيف تطمئن القلوب قبل الأطفال، فيهدأ المكان كله بدفء روحها.
كانت امرأة بسيطة، لكنها تركت أثرًا لا تصنعه الأموال ولا المناصب. بعض البشر يرحلون بأجسادهم فقط، أما أثرهم فيبقى حيًا في تفاصيل الناس، وفي الدعوات التي تخرج لهم دون موعد.
رضا كتب إليها وكأنه طفل عاد يبحث عن حضن أمه بعد أن أتعبه العمر، فقال:
“أمي… سأكتب على جدران بيتي قصيدة، مع كل دمعة تسقط من عين حزينة، لعل الدعاء يصل إليكِ كما كان حنانكِ يصل إلى الجميع.”
رحم الله أم صالح سليس رحمةً واسعة، وجعل كل قلب هدأ بسببها، وكل دمعة مسحتها، وكل دعوة خرجت لها من أمٍ مكسورة، نورًا يرافقها في قبرها إلى يوم يبعثون.
















