تحتضن محافظة العُلا شمال غرب المملكة العربية السعودية إرثًا أثريًا غنيًا يتمثل في آلاف النقوش والكتابات الصخرية التي تركتها الحضارات المتعاقبة على مر العصور، لتتحول صخورها إلى سجل تاريخي مفتوح يوثق مسيرة الإنسان في هذه الواحة التاريخية منذ آلاف السنين.
وتنتشر هذه النقوش في الجبال والتكوينات الصخرية المنتشرة في أودية العُلا، حيث اعتاد المسافرون والتجار والعابرون عبر طرق القوافل القديمة نقش كلماتهم ورسائلهم على الصخور، مخلّدين لحظات من حياتهم وتجارب رحلاتهم الطويلة. وتضمنت تلك النقوش عبارات دعاء وطلب للبركة في الصحة والرزق، إلى جانب كلمات تعبر عن الشوق والمودة للأهل والأصدقاء، ما يمنح هذه الكتابات بُعدًا إنسانيًا يعكس تفاصيل الحياة اليومية في تلك الأزمنة.
وتحمل النقوش في العُلا تنوعًا لغويًا وخطيًا لافتًا، إذ كُتبت بعدة لغات وخطوط قديمة تعود لحضارات مختلفة مرّت بالمنطقة أو استوطنتها، ما يعكس التنوع الثقافي والتفاعل الحضاري الذي شهدته هذه الواحة عبر قرون طويلة. كما تُعد دليلًا مهمًا على دور العُلا التاريخي كمحطة رئيسية على طرق التجارة القديمة ومسارات الحج والعمرة التي كانت تربط جنوب الجزيرة العربية بشمالها.
ويُعد جبل عِكمة من أبرز المواقع التي تضم هذا الإرث النقشي الفريد، إذ يحتضن مجموعة كبيرة من النقوش التي توثق جوانب متعددة من الحياة الاجتماعية والثقافية في تلك العصور، وقد أُدرج الموقع عام 2023 ضمن سجل “ذاكرة العالم” التابع لمنظمة اليونسكو تقديرًا لقيمته التاريخية والمعرفية.
وتواصل هذه النقوش اليوم رواية قصص البشر الذين مرّوا من هذه الأرض وتركوا بصماتهم على صخورها، لتبقى شاهدًا حيًا على تعاقب الحضارات وعلى المكانة التاريخية التي حظيت بها العُلا بوصفها ملتقى للطرق والثقافات عبر الزمن.

















