رضي منصور العسيف
هل ترغب في أن تكون ناجحًا في حياتك؟
حتماً سيكون جوابك: نعم.
ولكن السؤال الأعمق الذي يستحق التأمل:
هل أعددت نفسك لتكون من الناجحين؟
قد تتوقف قليلاً قبل الإجابة… لأنك تدرك في قرارة نفسك أن النجاح ليس أمنية عابرة،ولا كلمة جميلة نرددها على ألسنتنا، بل هو طريقٌ من الوعي والعمل والإرادة.
وعندما نعود إلى كلمات أمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام نجد فيها بصائر مضيئةترسم طريق النجاح للإنسان، كلمات خرجت من تجربة إنسانية عميقة وحكمة ربانيةراشدة.
وبعد مراجعة سريعة لكلمات الإمام علي عليه السلام اقتبست هذه التوجيهات:
الدوافع النبيلة
وما يطلق عليها النية الصالحة.
فالنية هي البذرة الأولى لكل عمل، ومنها يتحدد اتجاه المسير. فمن كانت دوافعهصالحة ونواياه نقية ارتقى في سلم النجاح، لأن الأعمال في حقيقتها تبدأ من القلب قبلأن تظهر في الواقع.
وفي هذا الصدد يقول الإمام علي عليه السلام:
“بحسن النيات تنجح المطالب”
“جميل النية سبب لبلوغ الأمنية”
“أقرب النيات بالنجاح أعودها بالصلاح”(1)
فالنية الصادقة لا تصنع عملاً صالحًا فحسب، بل تفتح أبواب التوفيق أمام صاحبها.
الإخلاص في العمل
النية والإخلاص توأمان لا ينبغي أن ينفصلا حتى يتحقق النجاح الحقيقي.
فقد يعمل الإنسان كثيرًا، ولكن عمله يبقى محدود الأثر إن لم يكن خالصًا. ولهذا كانالإخلاص هو روح العمل وسر بركته.
وهذا ما يطلق عليه بتطهير الدوافع، وهي درجة لا ينالها إلا من قام بتهذيب نفسهومراقبة قلبه.
وفي هذا الجانب يقول الإمام علي عليه السلام:
“في إخلاص النيات نجاح الأمور”. وقال عليه السلام: “من أخلص بلغ الآمال”(2).
فالإخلاص هو الطريق الأقصر بين الجهد والنجاح.
السعي والجد
الفرق الحقيقي بين الناجح والفاشل هو السعي.
فالنجاح لا يأتي صدفة، ولا يولد من الأمنيات، بل هو ثمرة جهد متواصل وسعي دؤوب.
ولذلك يقول الله تعالى:
{وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَىٰ} [النجم :39-41]
وقد عبّر الإمام علي عليه السلام عن هذه الحقيقة بقوله:
“من بذل جهد طاقته، بلغ كنه إرادته”(3) و “من أعمل اجتهاده بلغ مراده”(4).
وتذكر دائماً:
الأحلام لا تتحقق ما لم يصاحبها سعيٌ نحوها.
احذر الكسل الفكري
وفي مقابل الحث على السعي والاجتهاد، نجد الإمام علي عليه السلام يحذر من الكسلفيقول:
“آفة النجح الكسل”(5).
ولا نعني بالكسل هنا كسل البدن فقط، بل كسل العقل أيضاً.
فالكسل الحقيقي هو أن يتوقف الإنسان عن التفكير والتأمل والتدبر، وأن يعيش بعقلٍساكن لا يبحث عن فكرة جديدة ولا رؤية مبتكرة.
أما العقل النشيط، المتأمل، المتعلم…
فإنه يفتح أمام صاحبه أبواب النجاح.
البرمجة الصحيحة للأعمال والأوقات
الناجح هو من يدرك أن الوقت رأس ماله الحقيقي.
فهو لا يبدد ساعاته في الترهات، بل يستثمر لحظاته فيما ينفعه ويرتقي به.
ولذلك تجده شخصية منظمة، ذات برنامج واضح لأوقاته، عملاً بقول الإمام علي عليهالسلام:
“إن ليلك ونهارك لا يستوعبان لجميع حاجاتك فاقسمها بين عملك وراحتك”(6).
وقال عليه السلام:
“للمؤمن ثلاث ساعات: فساعة يناجي فيها ربه، وساعة يرم معاشه، وساعة يخلي بيننفسه وبين لذتها فيما يحل ويجمل”(7).
فالنجاح لا يقوم على العمل فقط، بل على التوازن الحكيم بين العبادة والعمل والراحة.
الحزم وقوة الإرادة
من صفات الشخصية الناجحة أنها شخصية تتصف بالحزم وقوة العزيمة.
فالحزم ليس قسوة، بل هو وضوح في القرار وثبات في الطريق.
وقد عبّر الإمام علي عليه السلام عن الحزم بقوله:
“الحزم النظر في العواقب، ومشاورة ذوي العقول”(8).
وفي تعريف آخر يقول عليه السلام:
“إنما الحزم طاعة الله ومعصية النفس”(9).
فمن استطاع أن يقود نفسه ولا تقوده شهواته، فإنه يسير بثبات نحو النجاح.
تغيير العادات السلبية
العادات تصنع شخصية الإنسان، ولهذا قال الإمام علي عليه السلام:
“غير مدرك الدرجات من أطاع العادات”(10).
فالإنسان لا يستطيع أن يرتقي وهو أسير لعادات تعوق تقدمه.
ولهذا يدعو الإمام علي عليه السلام إلى تهذيب النفس فيقول:
“ذللوا أنفسكم بترك العادات، وقودوها إلى فعل الطاعات، وحملوها أعباء المغارم،وحلوها بفعل المكارم، وصونوها عن دنس المآثم”(11).
ومن أمثلة العادات السلبية:
عادة التأجيل والتسويف
عادة السهر والاستيقاظ متأخراً
عادات غذائية سلبية كالإفراط في تناول السكريات
عادة التدخين
كثرة التردد على وسائل التواصل الاجتماعي بلا هدف
عادة التسوق العشوائي
وعندما يستبدل الإنسان هذه العادات بعادات إيجابية،
فإنه يصبح أكثر إنتاجية… وأكثر نجاحاً… وأكثر توازناً في حياته.
في الختام تذكر:
أن النجاح الحقيقي لا يقوم على الأمنيات، بل على صفاء النية، وإخلاص العمل، وبذلالجهد، وحسن استثمار الوقت. وكلمات أمير المؤمنين علي عليه السلام تمثل منهجًاعمليًا يرشد الإنسان إلى طريق النجاح، ويذكره بأن أعظم نجاح يحققه المرء هو نجاحهفي تهذيب نفسه والارتقاء بعمله وحياته.
الهوامش
1 ) ميزان الحكمة – محمد الريشهري – ج ٤ – الصفحة ٣٤١٩
2 ) ميزان الحكمة – محمد الريشهري – ج ١ – الصفحة ٧٦٠
3 ) ميزان الحكمة – محمد الريشهري – ج ٤ – الصفحة ٣٤٦٩
4 ) عيون الحكم والمواعظ – علي بن محمد الليثي الواسطي – الصفحة ٤٣٢
5 ) ميزان الحكمة – محمد الريشهري – ج ٣ – الصفحة ٢٧٠٤
6 ،7 ) ميزان الحكمة – محمد الريشهري – ج ٢ – الصفحة ١١١١
8 ،9 ) ميزان الحكمة – محمد الريشهري – ج ١ – الصفحة ٦٠٥
10 ) ميزان الحكمة – محمد الريشهري – ج ٣ – الصفحة ٢١٩٠
11 ) ميزان الحكمة – محمد الريشهري –
















