الكاتب والباحث محمد المحفوظ
لا يمكن مقاربة مفهوم الحرية في التصور الإسلامي , بمعزل عن مفهوم الاختلاف, وحقالإنسان الطبيعي في هذا الاختلاف. وأساس حق الاختلاف في المنظور الإسلامي, هو أنالبشر بنسبيتهم وقصورهم لا يمكنهم أن يدركوا كل حقائق التشريع ومقاصده البعيدة, وإنما هم يجتهدون ويستفرغون جهدهم في سبيل الإدراك والفهم, وعلى قاعدةالاجتهاد بضوابطه الشرعية والعلمية, يتأسس الاختلاففي فهم الأحكام والحقائقالشرعية, ويبقى هذا الحق مكفولاً للجميع.
«فالاختلاف مظهر طبيعي في الاجتماع الإنساني وهو الوجه الآخر والنتيجة الحتميةلواقع التعدد. أعني أن التعدد لابد من أن يستدعي الاختلاف ويقتضيه. فالاختلاف منهذه الزاوية, قبل أن يكون حقاً, هو أمر واقع ومظهر طبيعي من ظاهر الحياة البشريةوالاجتماع البشري وكما تتجلى هذه الظاهرة الطبيعية بين الأفراد تتجلى بين الجماعاتأيضاً. لذلك فلا مجال لإنكار ظاهرة الاختلاف بما هي وجود متحقق سواء من حيثالوجود المادي للإنسان أو من حيث الفكر والسلوك وأنماط الاستجابة» (راجع مجلةالمنطلق العدد115) .
ووفق هذا المنظور لا يشكل الاختلاف نقصاً أو عيباً بشرياً يحول دون إنجاز المفاهيموالتطلعات الكبرى للإنسان عبر التاريخ. وإنما هو حق أصيل من حقوق الإنسان, ويجدمنبعه الرئيسي من قيمة الحرية والقدرة على الاختيار. حيث أن «الحرية أساس, والسلطة قيد ولكنها ضرورة اجتماع. ولكي تقوم السلطة دون الإخلال بأساس الحريةلابد من أن تكون قيود السلطة مشتقة من قواعد الحرية. حيث لا يجوز تقييد الأخيرة إلابقواعدها وليس بإرادة خارجة عنها. وبهذا التحديد تغدو شرعية السلطة ثمرة لاختيارالبشر الحر في تعيينها. وإذ ذاك يغدو الاختلاف (حقاً) مصوناً بشرعية السلطة نفسها, وبنفيه تنفي السلطة شرعيتها أي تنفي ذاتها» (راجع المصدر السابق ص17).
والإيمان الديني لا يمكنه التخلي تماما عن أي تعاون مع الأفكار والمبادئ العقلية.. ففهمالقضايا والمفاهيم الدينية ، وإيصالها رسالتها إلى الإنسان والعالم بطريقة مقنعةومفهومة لكل الناس يستدعي التوسل بوسائل عقلية والتواصل المباشر مع كل القضاياالعقلية .. لهذا لا يوجد على المستوى الواقعي مفكر ديني سواء كان مسلما أو مسيحيايرفض العقل على نحو الإطلاق.. فشخصيات مثل وترتوليان وبيتر دامين ، ولوثر ،وباسكال والتي تعد من ألد أعداء العقلانية ، لم ترفض العلاقة بين الإيمان والعقل رفضاأساسيا وحاسما ، وإنما اتخذت نمطا معينا من العقلانية .. وفي المقابل في أنصار النصالديني لم يهدفوا عزل العقل عن مساحات الدين نهائيا ..
( ومن المهم القول إن للعقل استخدامات مختلفة .. وفي ما يتصل بعلاقته بالدينيمكن تصور ستة أدوار ومواقف متباينة له ، وهي :
1- دور العقل في مقام فهم معاني القضايا والعبارات الدينية ..
2- دوره في مقام استنباط القضايا الدينية من النصوص المقدسة ..
3- دوره في مقام التنسيق والملاءمة بين العقل والدين ..
4- دوره في مقام تعليم القضايا الدينية ..
5- دوره في مقام الدفاع عن القضايا الدينية ..
6- دوره في مقام إثبات القضايا الدينية وتسويغها ) (راجع كتاب العقل والدين فيتصورات المستنيرين الدينيين المعاصرين ص24) .. فدائما الإنسان المؤمن وانطلاقامن فلسفة الحياة وفق منظوره الإيماني ، يرغب ويطمح أن تكون حياته بأطوارهاالمتعددة منسجمة وإيمانه وغير متطابقة مع حياة غير المتدين أو المؤمن ، وهذا لنيتأتى على الصعيد الواقعي بدون الحرية التي توفر للإيمان فلسفة شاملة للحياة ،وتخلق لديه الإرادة الإنسانية المستديمة لتحويل مفردات وحقائق إيمانه إلى واقعمعيش .. و( إن غسل التعميد بالنسبة إلى المسيحي ، وذكر الشهادتين بالنسبة للمسلم، بداية طريقهم إلى طلب الحقيقة ، فهذه الممارسات تعني وضع الأقدام في الطريقوالشروع بالخطوات الأولى ، ولا تفيد الوصول إلى الغاية ) (راجع كتاب التدين العقلانيص7) ..
فثمة آصرة لا انفصام لها بين الإيمان والعقل .. بمعنى آخر بعث الله للبشر حجتين :إحداهما حجة ظاهرة والثانية حجة باطنة ، وبالتالي فالعقل والرسول كلاهما من سنخواحد ، ويصبان في سياق واحد ، والعلاقة بين العقل والوحي كالعلاقة بين العينوالنظارات ، وليست من قبيل علاقات التضاد ..
لهذا فإن المطلوب باستمرار أن يعرض الإيمان الديني للإنسان ( الفرد ) دوما على النقدوالعقل النقدي ، والغاية من هذا النقد هي تنقية الإيمان ، ورفع الحجب ، والوصول إلىالطبقات العميقة من التجربة والإيمان الدينيين .. وهذا يعني على المستوى الواقعيوالمعرفي أن هناك قابلية للإيمان على التحول والتطور من خلال التجارب الروحيةوالمعرفية والإنسانية .. فالعقل بكل تجلياته يساهم مساهمة فعلية في صناعة الإيمان ،أو لم يبعث الأنبياء العظام لتذكير العقل وإحياء مكتسباته الإنسانية ( ويثيروا لهمدفائن العقول ) لهذا كان الأنبياء جميعا يدعون الناس إلى الإيمان ، ويستخدمون فيدعوتهم كل البراهين والحكم البينة .. ومن الجلي أن الشيء إذا لم يكن معقولا يقبلالبرهنة فلن يقبل الدعوة العقلية .. وتأسيسا على هذه الرؤية فإن للمعارف العصريةوالعقلية الراهنة مدخلية أساسية في تكوين الإيمان .. وهذا لا ينفي قدرة الإنسان منخلال فطرته المركوزة أن يتعرف على الخالق سبحانه من خلال إزالة أستار الغفلةوالحجب المختلفة عن قلب وفطرة الإنسان السوي .. وانطلاقا من معنى الإيمانالمفتوح على كل التجارب الذاتية والمعرفية ، فإن هذا الإيمان يتمحور حول حريةالإنسان لأن الإيمان كما اتضح أعلاه ، هو عمل اختياري يقوم به الإنسان بفضل إرادتهوحريته ..
فالإيمان هو وليد اختيار الإنسان الحر ، بدون إكراه أو تعسف من أحد ، ولهذا فإناختيارات الإنسان وخياراته في مختلف المجالات ، هو وحده الذي يتحمل مسؤوليتها .. وبهذا يتشكل الثالوث الذهبي في الوجود الإنساني ( الإيمان – الحرية – المسؤولية )فأنت حر في عقائدك ومعتقداتك وخياراتك وبمقدار حريتك أنت مسئول عنها ،وتتحمل بوحدك مسؤولية اختيارك ..















