بقلم /أمل مطلق الحربي
«كان أقسى ما أشعر به، أنني كلما حاولت أن أقترب منها أكثر، شعرت أنها تبتعد أكثر. وكلما منحتها شيئًا من قلبي، تصرفتكأنها لم ترَ شيئًا.» هكذا كتبت أحلام مستغانمي في الأسوديليق بكِ، وكأنها كانت تصف ذلك النوع من الخيبة الذي لا يخصالحب وحده، بل كل علاقة يبذل فيها إنسان أكثر مما يأخذ.
إنه وجع أولئك الذين يضعون قلوبهم واهتمامهم على الطاولة، ثميكتشفون أنهم وحدهم من يرى العلاقة بهذا العمق، بينما يزدادالطرف الآخر برودًا. نحن لا ننكسر من الصدمات الكبرى وحدها، بل من تلك التفاصيل الصغيرة التي لا يراها أحد، لكنها كانتتحمل كل ما لم نستطع قوله.
يظهر هذا الانكسار بوضوح في الهدية التي لا تُقدَّم كغرضمادي، بل كرسالة تقدير يسبقها الكثير من التفكير والحرص. فخلف تلك الهدية قصة ادخار طويلة، وربما تضحية قاسيةباحتياجاتنا الخاصة من أجل شراء شيء يدخل السرور إلى قلبالطرف الآخر. وحين تُقابل هذه التضحية ببرود، وتوضع الهديةجانبًا دون أن تُفتح أو يُلتفت إلى ما وراءها، لا يكون الألم بسببإهمال الهدية ذاتها، بل لأن الروح التي وُضعت بداخلها بقيتمهملة في زاوية النسيان، تنتظر نظرة واحدة تقول: لقد رأيتُ مافعلته من أجلي.
وربما لم يكن يقصد أن يؤذي، لكنه لم ينتبه أصلًا أن خلف تلكالتفاصيل قلبًا كان يحاول أن يقول: «انتبه لي». فبعض البشر لايجرحوننا بالقسوة، بل بذلك البرود الذي يجعل أكثر ما قدمناهيمر أمامهم وكأنه شيء عادي لا يستحق الالتفات.
ويتكرر المشهد نفسه في تلك المحاولات اليومية البسيطة؛ كوبقهوة نشتريه بعد أن نحفظ تفاصيل الآخر كلها: كيف يحبها، وكمسكرًا يضع، ودرجة الحرارة التي يفضلها. ثم نراه يتركها حتىتبرد، بينما نجلس نحن نراقب البخار وهو يتلاشى. والحقيقةأننا لا نراقب شرابًا يفقد دفأه، بل نراقب محاولاتنا الصغيرة وهيتموت بصمت أمام تجاهل من نحب.
وحين يمتد هذا البرود إلى اللقاءات نفسها، حيث يحضر الجسدوتغيب الروح، وحيث يصبح الهاتف أكثر حضورًا من الكلمات، يدرك الإنسان أن اللقاء لم يعد مساحة قرب، بل مجرد واجب يُؤدَّىعلى مضض. وهنا يبدأ السؤال الذي لا يقوله أحد بصوت مرتفع: لماذا يتحول ما نمنحه بمحبة، حين لا يجد صداه، إلى شعورجارح بالخذلان؟
نفسيًا، لا يأتي هذا الألم من المواقف نفسها بقدر ما يأتي منحاجة الإنسان العميقة لأن يُرى ويُقدَّر أثره. نحن لا نبحث عنالمديح، ولا عن الامتنان المبالغ فيه، بل عن ذلك الاعتراف الصامتبأن ما فعلناه قد وصل، وأن ما بذلناه لم يذهب هباءً.
لكن حين يُقابل هذا الاحتياج الطبيعي بتهمة “المبالغة”، أو يُقاللنا إننا ننتظر كثيرًا، يبدأ شيء ما داخلنا بالانطفاء. لا لأنناتوقفنا عن الحب، بل لأننا بدأنا نخاف منه. نخاف أن نعطي، ثمنجد أنفسنا مرة أخرى نحمل هدايا لم تُفتح، وقهوة بردت، وكلماتبقيت معلقة في الداخل لأنها لم تجد من يصغي إليها.
والحقيقة القاسية التي لا بد من مواجهتها هي أن بعض البشر لايملكون القدرة على استشعار الرقة، أو أنهم اعتادوا العطاء المفرطحتى صار بالنسبة إليهم أمرًا مسلمًا به. المشكلة ليست في أنناكثيرون، ولا في أن قلوبنا أثقل مما ينبغي، بل في أننا منحنامكانة كبيرة لمن لم يكن يملك القدرة على حملها.
النضج الحقيقي ليس أن نستمر في طرق الأبواب المغلقة حتىنتعب، بل أن نفهم أن كرامة القلب أهم من أي علاقة، وأن بعضالمسافات ليست خسارة، بل نجاة.
(إن أسوأ خديعة يمارسها الإنسان تجاه نفسه، أنيستمر في سكب نوره في أرواح اختارت أن تعيش فيالعتمة)















