جمال المطوع
وَأَنَا أَتَصَفَّحُ إِحْدَى القِصَاصَاتِ الوَرَقِيَّة، وَقَعَتْ عَيْنِي عَلَى حَدِيثٍ قَوِيِّ المَعْنَى، وَاضِحِ الهَدَفِ وَالرُّؤْيَا لِلإِمَامِ البَاقِرِ عَلَيْهِ السَّلَام، يُحَذِّرُ فِيهِ قَائِلًا: «بِئْسَ العَبْدُ عَبْدٌ يَكُونُ ذَا وَجْهَيْنِ وَذَا لِسَانَيْن، يُطْرِي أَخَاهُ شَاهِدًا وَيَأْكُلُهُ غَائِبًا، إِنْ أُعْطِيَ حَسَدَهُ، وَإِنِ ابْتُلِيَ خَذَلَهُ».
حَدِيثٌ مَلِيءٌ بِالحِكْمَةِ وَالحَذَرِ وَالتَّنْبِيه وَيُحَاكِي وَاقِعًا نَعِيشُهُ بِأُم أَعْيُنِنَا، حَيْثُ إِنَّهُ وَضَعَ النِّقَاطَ عَلَى الحُرُوف وَأَعْطَى وَصْفًا دَقِيقًا وَأَصَابَ كَبِدَ الحَقِيقَةِ لِبَعْضِ عَيِّنَاتٍ مِنْ فِئَاتِنَاالمُجْتَمَعِيَّة الَّتِي تَسِيرُ عَلَى نَفْسِ هَذَا النَّهْج اللَّاأَخْلَاقِي وَ اللَّاإِنْسَانِي، وَتُمَارِسُهُ بِكُلِّ مَعْنَى الكَلِمَة، بِلَا قِيَمٍ أَوْ مُرُوءَةٍ أَوْ وَازِعٍ أَوْ رَادِعٍ دِينِي، وَلَدَيْهَا قَنَاعَةٌ فِي ذَلِكَ بِغَيْرِ حَيَاءٍ وَلَ اخَجَل، مِثْلُهُ مِثْلُ تِلْكَ القِصَّةِ المُشَابِهَةِ الَّتِي تُحَاكِي (قَضِيَّةَ أُمِّ عَامِر)، وَمَا تَعَرَّضَتْ لَهُ مِنَ الغَدْرِ وَالخِيَانَةِ الَّتِي أَصْبَحَتْ مَثَلًا يُتَدَاوَلُ عَلَى أَلْسِنَةِ النَّاس، وَالَّتِي نُقِلَ مِنْهَا هَذَا البَيْتُ مِنْ قَصِيدَةٍ: «وَمَنْ يَعْمَلِ المَعْرُوفَ فِي غَيْرِ أَهْلِهِ
يُلَاقِ كَمَا لَاقَى مُجِيرُ أُمِّ عَامِرٍ».
هَكَذَا هُمْ بَعْضُ البَشَر النَّشَاز، الَّذِينَ يَكُونُونَ أَمَامَكَ بِوَجْهٍ يَتَّسِمُ بِالبَرَاءَةِ، وَيُمَجِّدُ فِيكَ، وَيَرْفَعُكَ أَعْلَى عَلِيِّين، وَحِينَ يَحْصُلُ عَلَى مَا يُرِيد وَيَجِدُ ضَالَّتَهُ، مَا أَسْرَعَ أَنْ يَنْقَلِبَ فِي مَوَازِينِهِ الهَشَّةِ رَأْسًا عَلَى عَقِبٍ، فَبَعْدَ التَّمْجِيدِ وَالإِطْرَاءِ المُفْتَعَلِ، تَرَى لِسَانُهُ فِي غِيَابِكَ عَلَيْكَ كَالخِنجَر، لَا يَمَلُّ وَلَا يَكِل، لِأَنَّهُ يَحْمِلُ الحِقْدَ وَالنِّفَاقَ لفِي قَلْبِهِ وَوِجْدَانِه، وَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى حَقَارَتِهِ وَحَسَدِهِ وَبُغْضِهِ لَكَ، بَلْ لَوْ رَآكَ تَعِيشُ نَفْسَ المُشْكِلَةِ الَّتِي مَرَّ هُوَ بِهَا،يَسْعَدُ بِذَلِكَ وَيَشْمَتُ فِيكَ بِضَمِيرِهِ الأَسْوَد، وَيَنْسَى كُلَّ إِحْسَانِكَ وَمَعْرُوفِكَ.
إِنَّهَا دَنَاءَةٌ مَا بَعْدَهَا دَنَاءَة، يَعِيشُهَا هَؤُلَاءِ الأَفَّاقُونَ الحَاسِدُونَ المُنَافِقُونَ الشَّامِتُونَ، فَلْيَأْخُذْ كُلُّ شَخْصٍ حَذَرَهُ مِنْ هَذِهِ النَّوْعِيَّاتِ البَشَرِيَّة المُنْتَشِرَة بَيْنَ ظَهْرَانَيْنَا هَذِهِ الأَيَّام،لِيَبُثُّوا سُمُومَهُمُ القَاتِلَة فِي صَمِيمِ وَاقِعِنَا الإجْتِمَاعِي لِهَدْمِ أَرْكَانِهِ وَأُسُسِهِ وَقَوَاعِدِهِ، كَمَا وَصَفَهُمُ الإِمَام خَيْرَ تَوْصِيف، لِأَنَّهُمْ كَالأَفَاعِي لَا أَمَانَ لَهُمْ، يَتَلَبَّسُونَ فِي كُلِّ حِينٍ مَايُنَاسِبُهُمْ مِنَ المَكْرِ وَالخَدِيعَةِ.
وَقَانَا الله شُرُورَهُمْ وَأَفْعَالَهُمْ، وَقَدْ صَدَقَ الإِمَامُ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلَامُ حِينَ قَالَ: «مَا أَضْمَرَأَحَدٌ شَيْئًا، إِلَّا ظَهَرَ فِي فَلَتَاتِ لِسَانِهِ وَصَفَحَاتِ وَجْهِهِ».
هَذِهِ المُؤَشِّرَات أَكْبَرُ دَلِيلٍ وَشَاهِدٍ عَلَى فَضْحِهِمْ وَالإِشْهَارِ بِهِمْ، حَتَّى يَكُونُوا عِبْرَةً لِمَنْ يَعتَبِر… وَالله النَّاصِرُ لِمَنْ لَا نَاصِرَ لَهُ.















