جمال المطوع
فِي جَلْسَةِ حِوَارٍ مَعَ بَعْضِ الْإِخْوَةِ الْأَفَاضِل، طَرَحَ بَعْضُهُمْ مَوْضُوعًا مُهِمًّا لِلْغَايَة، وَأَصَابَ كَبِدَ الْحَقِيقَة، أَشَارَ فِيهِ إِلَى الْمُبَالَغَات فِي الْأُجُورِ الْمَدْفُوعَة إِلَى خَطِيبَاتِ الْمَنَابِرِ الْحُسَيْنِيَّة فِي حَالَةِ وُجُودِ وَفَاةٍ ـ لَا سَمَحَ الله ـ عِنْدَ بَعْضِ الْعَوَائِل، حَيْثُ تُعْلَنُ حَالَةُ الِاسْتِنْفَار لِهَذَا الْحَدَثِ الْأَلِيم، وَمَا يَتَطَلَّبُهُ ذَلِكَ مِنْ تَجْهِيزَاتٍ تَتَنَاسَبُ وَالْحَدَث الْمُشَار إِلَيْه، وَمِنْ ضِمْنِهَا تَكْلِيفُ إِحْدَى قَارِئَاتِ الْمَجْلِسِ الْحُسَيْنِي لِمَأْتَمِ الْعَزَاءِ الْمُرَاد، بِالْإِضَافَةِ إِلَى قَارِئَةٍ لِلْقُرْآنِ الْكَرِيم، وَالْمُتَعَلِّقَاتِ الْأُخْرَى مِنْ نَفَقَاتِ إسْتِقْبَالِ الْمُعَزِّيَات، وَمَا يَتَمَخَّضُ عَنْ ذَلِكَ مِنْ مَصَارِيفَ لَا تُعَدُّ وَلَا تُحْصَى، وَأَوَّلُهَا مَا تَأْخُذُهُ الْخَطِيبَةُ الْحُسَيْنِيَّة مِنْ أَجْرٍ مَالِيٍّ نَظِيرَ قِرَاءَتِهَا، إِذْ يُبَالِغُ بَعْضُهُنَّ فِيمَا يَأْخُذْنَه، مِمَّا يُشَكِّلُ عِبْئًا مَالِيًّا عَلَى أَهْلِ الْمُصَاب، وَقَدْ يَكُونُ حَالُ بَعْضِهِمْ فِي ظَرْفٍ لَا تَسْمَحُ لَهُ أَوْضَاعُهُ الْمَالِيَّةُ بِدَفْعِ هَذِهِ الْقِيمَةِ الْمُبَالَغِ فِيهَا، فَيَضْطَرُّهُمُ الْأَمْرُ إِلَى الإقْتِرَاض لِتَغْطِيَةِ التَّكَالِيف الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَى ذَلِك، فَمَا بَالُكَ بِالْفَقِيرِ الْمُعْدَمِ؟!
عِلْمًا أَنَّ هُنَاكَ مَصَارِيفَ أُخْرَى سَوْفَ تَتَوَالَى، ذَكَرْنَاهَا آنِفًا، مِمَّا يُشَكِّلُ عِبْئًا إقْتِصَادِيًّا مُرْهِقًا عَلَى أَهْلِ الْمُصِيبَة.
مِنْ هُنَا يَجِبُ إِعَادَةُ النَّظَرِ فِيمَا يُقَدَّمُ مِنْ أَجْرٍ مَالِيٍّ إِلَى أُولَئِكَ الْمَذْكُورَاتِ الْمُشَارِ إِلَيْهِنَّ سَابِقًا، وَفِي هَذِهِ الْمُنَاسَبَاتِ الألِيمّة، ويَجِبُ عَلينَا أَنْ تَكُونَ لَدَيْنَا الشَّجَاعَةُ وَالْقُوَّةُ وَالْجُرْأَةُ ـ كَمُجْتَمَعٍ وَاعٍ ـ لِوَضْعِ تَصَوُّرٍ لِهَذِهِ الْقَضَايَا بِرُوحٍ شَفَّافَة، لَا لَبْسَ فِيهَا وَلَا غُمُوض، عَلَى عَدَمِ الْمُبَالَغَةِ وَالشَّطَطِ غَيْرِ الْمَقْبُولِ شَرْعًا وَعُرْفًا، ويَسْرِي هَذَا الْأَمْرُ كَذَلِكَ عَلَى خُطَبَاءِ الْمِنْبَرِ الْحُسَيْنِيِّ فِي عَدَمِ الْمُغَالَاةِ فِيمَا يَطْلُبُونَهُ نَظِيرَ قِرَاءَتِهِم مِن أُجْرَةٍ عِنْدَ إِحْيَاءِ الشَّعَائِرِ الْحُسَيْنِيَّة أَوْ مُنَاسَبَاتٍ أُخْرَى، عِنْدَ إِقَامَةِ التَّعْزِيَة فِي وَفَاةِ عَزِيزٍ أَوْ قَرِيب، أَوْ ذِكْرَى الْمُنَاسَبَاتِ الدِّينِيَّةِ كَمَوَالِيدِ أَهْلِ الْبَيْتِ عَلَيْهِمُ السَّلَام، أَوِ الْعَادَاتِ الْأُسْبُوعِيَّةِ الْمُعْتَادَة، فَعَلَيْهِمْ بِالإعْتِدَال وَالْوَسَطِيَّة فِي تَحْدِيدِ الْقِيمَةِ الْمَالِيَّة، حَيْثُ لَا ضَرَرَ وَلَا إضرَار.
وَكَمَا قَالَ الْمَثَلُ: «إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تُطَاعَ فَأْمُرْ بِمَا هُوَ مُسْتَطَاع»، أَوْ كَمَا حَثَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ الْكَرِيم عِنْدَمَا أَمَرَ بِمُرَاعَاةِ الْأَنْفُس لِبَعْضِهَا بَعْضًا بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ فِي التَّعَامُل، حِينَ قَالَ تَعَالَى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: 90].
تُؤَكِّدُ هَذِهِ الْآيَةُ الكَرِيمَة أَنَّ الدِّينَ يُسْر، وَأَنَّ التَّخْفِيفَ مَقْصُودٌ شَرعِيٌّ لِتَيْسِيرِ الْأُمُورِ عَلَى النَّاس، وَهُنَا يَأْتِي دَوْرُ حَمَلَةِ الدِّينِ مِنَ الْمُوَجِّهِينَ وَالْمُرْشِدِين، وَمَا يُقَابِلُهُمْ مِنَ الْعُنْصُرِ النِّسَائِي فِي نَفْسِ التَّوَجُّهِ وَالإخْتِصَاص، فَجَمِيعُهُمْ أَوْلَى مَنْ يَتَّبِعُونَ الشَّرْعَ وَيُطَبِّقُونَ أَحْكَامَهُ فِي مُرَاعَاةِ الْآخَرِينَ مِنَ الْمُحْتَاجِينَ وَعَدَمِ الْإِفْرَاط، حَيْثُ قِيلَ: «لَا إِفْرَاط وَلَا تَفْرِيط»، وَهِيَ قَاعِدَةٌ ذَهَبِيَّة تَعْنِي الْوَسَطِيَّةَ وَالإعْتِدَال، وَتَتَضَمَّن تَجَنُّبَ الْمُبَالَغَةِ وَالزِّيَادَةِ (الْإِفْرَاطِ)، وَتَجَنُّبَ التَّقْصِيرِ وَالنُّقْصَان (التَّفْرِيط)، وَهِيَ مَنْهَجُ حَيَاةٍ يَهْدِفُ إِلَى التَّوَازُنِ بَيْنَ الْأُمُور دُونَ غُلُوٍّ أَوْ تَضْيِيع، كَمَا يَصِفُ الْإِسْلَامُ الْعَقِيدَة بِكَوْنِهَا وَسَطًا، وَتُعْرَفُ أَيْضًا بِقَوْلِهِمْ: «خَيْرُ الْأُمُورِ أَوْسَطُهَا»… وَاللهُ وَلِيُّ التَّوْفِيق.















