بقلم: علي المفتاح
لم يعد يوم التأسيس مجرد ذكرى تُستعاد، ولا مناسبة تُحتفل بها بالرمزية وحدها، بلأصبح مساحة حقيقية تُقاس فيها قيمة الحضور الوطني، ويبرز فيها من يصنع الأثر لامن يكتفي بالمشاهدة.
في كل عام، نرى مشهدًا يتكرر بشكل مختلف:
الشباب لم يعودوا جمهورًا في مدرجات التاريخ… بل أصبحوا جزءًا من صناعته.
التحول الحقيقي الذي نعيشه اليوم ليس في حجم الاحتفالات، بل في عمق الوعي.
وعي يدرك أن يوم التأسيس ليس استرجاعًا للماضي، بل استدعاء لمعناه.
معنى أن الدولة التي بدأت بفكرة، استمرت بإيمان، ووصلت برؤية.
جيل اليوم لا يحمل المناسبة كشعار، بل يعيشها كمسؤولية.
نراه في الميدان، في التطوع، في الإعلام، في المبادرات المجتمعية، وفي كل مساحةيصنع فيها فرقًا حقيقيًا.
لأول مرة، أصبح الاحتفاء الوطني يُقاس بالفعل لا بالقول.
كم مبادرة أطلقت؟
كم مجتمع خدمت؟
كم أثر تركت خلفك؟
وهنا تحديدًا بدأ التحول الكبير:
الشباب لم يعودوا ينتظرون الدور… بل يصنعونه.
في يوم التأسيس، تتجلى صورة مختلفة للوطن.
وطن لا يُحتفى به فقط عبر المنصات، بل يُخدم عبر الأفعال.
وطن يظهر في تفاصيل صغيرة يصنعها شباب يؤمنون أن الانتماء لا يُقال… بل يُمارس.
ما يحدث اليوم هو امتداد طبيعي لقصة بدأت قبل ثلاثة قرون.
الدولة التي تأسست على العزيمة، تواصل اليوم مسيرتها بذات الروح، لكن بأدوات جيلجديد.
جيل يفهم أن الوطنية ليست لحظة حماس، بل مشروع عمر.
ولهذا، لم يعد غريبًا أن نرى المبادرات الشبابية تتصدر المشهد، وأن تتحول الأعمالالتطوعية إلى لغة مشتركة بين أبناء الوطن.
لغة تقول ببساطة: نحن هنا… لا لنشهد التاريخ، بل لنكون جزءًا منه.
الشباب اليوم لا يبحثون عن الأضواء بقدر ما يصنعون المعنى.
يعرفون أن المجد لا يُورث، بل يُبنى.
وأن الهوية لا تُحفظ بالشعارات، بل تُحمى بالفعل.
في يوم التأسيس، تتجدد الحكاية، لكن الأبطال يتجددون أيضًا.
وإذا كان الأجداد قد أسسوا الدولة، فإن الأحفاد يؤسسون للأثر.
وهنا يكمن السر الحقيقي:
الدول العظيمة لا تعيش بتاريخها فقط…
بل بشباب يحسنون كتابة فصوله القادمة.
لهذا أؤمن أن أعظم ما يحدث اليوم ليس الاحتفال بيوم التأسيس،
بل هذا الجيل الذي قرر أن يكون امتدادًا حيًا له.
جيل لا يكتفي بالفخر…
بل يترجمه عملًا.
ولا يرفع الشعار…
بل يصنع الواقع.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم:
ليس ماذا قدم لنا الوطن؟
بل ماذا سنقدم له ونحن نحمل اسمه في زمن يصنع المستقبل.
لأن الأوطان لا تحتاج من يحبها فقط…
بل من يليق بها.















