تركي مكي العجيان
وبعد أن تقدّم الحديث عن أولى دعائم جدار الحماية الإنساني والمتمثّلة في حِكمةالعقل، نتابع في هذا المقال الحديث عن الدعامتين اللتين تكتمل بهما بنية هذا الجدار:
ثانيًا– ضبط النفس.
النفس هي المحرّك الأساس للإنسان، من خلال تفاعل قِواها التي أودعها الخالقسبحانه وتعالى فيها. فحين تتحرّك تلك القوى يتحرّك الإنسان تبعًا لها، فمثلًا حينترغب النفس في أمرٍ ما، يبدأ الإنسان بالتفكير في ذلك الشيء، فيتحرّك باتّجاهه تلبيةًلرغبة النفس.
وبالتأكيد ليس كلّ رغبات النفس مشروعة، بل إنّها في كثيرٍ من الأحيان تدفع الإنسانإلى السوء من العمل، يقول تعالى: {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَرَبِّي} “يوسف، 53“. وهنا يأتي دور ضبط النفس ليكون الدرع الواقي لحمايتها منالانفعالات المدمّرة، أو من انجرافها في الاتّجاه الخطأ، أو من طغيان الأنفة الذاتية التيقد توصل الإنسان إلى الحد الذي ينطبق عليه قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُالْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ} “البقرة، 206“.
ولا يعني ضبط النفس أن يحرم الإنسان نفسه مما ترغب فيه، أو ألا يغضب، أو ألا ينتصرلذاته، بل يعني أن يكون كل ذلك ضمن ميزان الحكمة، دون تجاوزٍ للحد الذي يبدو فيهسلوك الإنسان منافيًا للذوق العام، أو مخالفًا للقانون، أو متجاوزًا للحدود التي أرادهاالله سبحانه وتعالى، يقول تعالى: {وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} “الطلاق، 1“.
وضبط النفس مهارةٌ يمكن للإنسان اكتسابها، من خلال التوجّه الذاتي لذلك، والتدريبالشخصي عليه، مع التوجّه إلى الخالق سبحانه لنيل التوفيق الإلهي في تحصيل هذهالمَلَكَة.
وهنا يأتي قول أمير المؤمنين (ع) ليؤكّد إمكانية تحققها، حيث يقول (ع): ((مَنْ لَمْ يَكُنْحَلِيمًا فَلْيَتَحَلَّمْ)) “نهج البلاغة، الحكمة: 207“.
ثالثًا– تقوى القلب.
حين تتحرّك النفس نحو ملذّاتها وشهواتها وغرائزها، فإنّها في كثيرٍ من الأحيان قد تدفعبالإنسان إلى المحظور عليه شرعًا، وهنا لا تحتاج النفس إلى ملَكَة ضبطها فقط، بل إنذلك يتطلب ردعًا لها، وزجرًا لتجاوزها، وعصيانها لأمر خالقها، وهنا يأتي دور تقوىالقلب ليكون حائلًا دون اقتراف الإنسان لعظيم الذنوب. ولذا نجد أن الإمام علي (ع)على مكناته وعظمته يقول: ((وَإِنَّمَا هِيَ نَفْسٌ أَرُوضُهَا بِالتَّقْوَى)) “نهج البلاغة، الحكمة:45“، مما يعني أن التقوى ومحلّها القلب الوجداني هي السبيل الأعمق والأوثق الذيمن شأنه أن يحول بين الإنسان وبين اقتراف الذنوب. وقد اختصر الإمام الصادق (ع)معنى التقوى حين سُئل عن ذلك، فقال (ع): ((أَلَّا يَفْقِدَكَ اللَّهُ حَيْثُ أَمَرَكَ، وَلَا يَرَاكَ حَيْثُنَهَاكَ)) “الكافي، ج:2، ص: 16“؛ وتأكيدًا على أهميّة تقوى القلب وأهميّتها كصمام أمانللإنسان، قال الإمام علي (ع): ((طُوبَى لِمَنْ أَشْعَرَ التَّقْوَى قَلْبَهُ)) “نهج البلاغة، الحكمة:373“، وقال (ع): ((أَشْعِرْ قَلْبَكَ التَّقْوَى، وَخَالِفِ الْهَوَى، تَغْلِبِ الشَّيْطَانَ)) “الكافي، ج:2،ص: 16“.
ولا يعني تقوى القلب أن يكون الإنسان معصومًا، غير أنها تعني أن يمتلك الإنسانالعدالة الشرعية التي يراها الفقهاء في إمام الجماعة، حيث يقولون بأن عدالة إمامالجماعة تتحقق بعدم ارتكابه لكبائر الذنوب، وعدم إصراره على الصغائر. فقد يُخطئالإنسان عن غير تعمّدٍ وقصد، وهنا يتوجّه إلى الله تعالى بطلب المغفرة، ولا يُصرّ علىالذنب، وبذلك تتحقق بشأنه تقوى القلب. وتقوى القلب درجات، وكلّما ارتقى الإنسانفي هذا المجال أصبح قلبه عامرً بذكر الله –عزّ وجلّ– وأصبح قلبه مطمئنًّا بالإيمان،ليرتقي بعد ذلك ليكون من المتّقين.
شهد الكلمات
عند هذه الدعائم الثلاث يتّضح أن جدار الحماية الإنساني ليس فكرةً تجريدية ولا ترفًافكريًا، بل ضرورة وجودية في عالمٍ تتكاثر فيه المؤثرات، وتتزاحم فيه الأصوات، وتُخترقفيه العقول قبل الأجساد.
فحين يمتلك الإنسان حكمةَ العقل لتمييز ما يَرد عليه، وضبطَ النفس لكبح اندفاعه،وتقوى القلب لتقويم مساره، يكون قد شيّد في داخله جدارًا صامتًا، لا يعزله عن العالم،بل يحميه من الذوبان فيه.
إن جدار الحماية الإنساني لا يعني الانسحاب من الحياة، ولا الخوف من التجربة، بليعني الوعي؛ ذلك الوعي الذي يمنح الإنسان القدرة على البقاء متوازنًا وسط العواصف.
إنه جدارٌ لا يُبنى ليمنع كل شيء، بل ليمنع ما لا ينبغي أن يمرّ، ويُبقي للإنسان سيادتهعلى ذاته، وطمأنينته في قراره، واستقامته في مسيرته.
وفي زمنٍ باتت فيه الاختراقات ناعمة، والتأثيرات خفيّة، لم يعد الخطر فيما يُفرض علىالإنسان قسرًا، بل فيما يتسلّل إليه دون أن يشعر. وهنا تتجلّى قيمة جدار الحمايةالإنساني.
حين تكون حكمةُ العقل بوابةَ التمييز، وضبطُ النفس ميزانَ السلوك، وتقوى القلب بوصلةَ الاستقامة التي لا تزيغ.















