✍🏻رضي منصور العسيف
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لو يعلم العبد ما في رمضان لود أن يكون رمضانالسنة (1).
وتمضي بنا الأيام، وتتعاقب الأسابيع، كأنها خيوط نورٍ تنسحب برفق من بين أيدينا،ويقترب ختام شهر الخير والبركة والرحمات، فتخفق القلوب بشيءٍ من الشوق وشيءٍمن الحنين، ويعلو صوت المؤمنين بدعائهم الخالد، الممزوج برجاء القبول ودمعةالوداع:
“إِنْ كُنْتَ رَضِيتَ عَنِّي فِي هذا الشَّهْرِ فَازْدَدْ عَنِّي رِضىً، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ رَضِيتَ عَنِّي فَمَنْ الآنَفَارْضَ عَنِّي، يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ”.
وكما ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) كان يقول في كل ليلة من العشر الأواخر بعدالفرائض والنوافل:
اللَّهُمَّ أَدِّ عَنّا حَقَّ ما مَضى مِنْ شَهْرِ رَمَضانَ، وَاغْفِرْ لَنا تَقْصِيرَنا فِيهِ، وَتَسَلَّمْهُ مِنّا مَقْبُولاً،وَلا تُؤاخِذْنا بِإِسْرافِنا عَلى أَنْفُسِنا، وَاجْعَلْنا مِنَ المَرْحُومِينَ وَلا تَجْعَلْنا مِنَ المَحْرُومِينَ.
ومع هذه اللحظات الندية، حيث تختلط مشاعر الفرح بالإنجاز، والحزن على الفراق،نقف وقفة تأملٍ ومحاسبة، لنسأل أنفسنا: *ماذا بعد رمضان؟*
في نهاية شهر رمضان نذكر القراء الكرام بالنقاط التالية:
*حافظ على المكتسبات*
كم هي تلك الأنوار التي أشرقت في قلبك خلال هذا الشهر المبارك؟
وكم هي العادات الحسنة التي ألفتها نفسك حتى صارت جزءًا من يومك؟
لقد وفقنا الله للعديد من المكتسبات؛ كالمداومة على قراءة القرآن، ودفء الدعاء،وسكينة صلاة الجماعة، وأنس مجالس أهل البيت عليهم السلام، وعطاء الصدقات التيكانت تمسح دمعة محتاج وتزرع ابتسامة أمل.
فحريٌّ بنا أن نصون هذه الكنوز، وألا نبددها مع أول انشغال، وأن نحذر أن نكون:
“كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا”
وهي امرأة حمقاء من قريش، كانت تغزل مع جواريها حتى ينتصف النهار، ثم تأمرهنبنقض ما غزلن، فلا تبقي لجهدها أثرًا، ولا لتعبها ثمرة… فهل نرضى لأنفسنا أن نعيدالمشهد ذاته، ولكن بثوبٍ عبادي؟!
*صوم مستمر*
ليس رمضان نهاية الصيام… بل بدايته الحقيقية.
ومن الأمور المهمة أيضاً أن نستمر في الصيام لما بعد شهر رمضان، ولا نعني به صيامالجسد فقط، بل صيام القلب، ذلك الصيام الذي يراقب الخواطر قبل الكلمات، والنواياقبل الأعمال.
يقول الإمام علي عليه السلام:
“صوم النفس إمساك الحواس الخمس عن سائر المآثم وخلو القلب عن جميع أسبابالشر”.
وعنه عليه السلام:
“صيام القلب عن الفكر في الآثام أفضل من صيام البطن عن الطعام” (2)
فالصائم الحقيقي هو من خرج من رمضان وقد تعلّم كيف يصوم عن الخطأ، لا عنالطعام فحسب.
*الإرادة المستمرة*
شهر رمضان ليس مجرد أيامٍ معدودة، بل هو مدرسة إرادة، وميدان تدريب للنفس.
فخلال 30 يومًا، يمسك الإنسان عن شهواته، ويكبح رغباته، ويرتقي فوق عاداته، أليستهذه أعظم برمجة على قوة الإرادة؟!
لكن التحدي الحقيقي يبدأ بعد رمضان…
هل نحافظ على هذه القوة؟ أم نتركها تذبل مع زحمة الأيام؟
ولكي تستمر هذه الإرادة، علينا أن نواصل مجاهدة النفس ومحاسبتها، كما يقول الإمامعلي (عليه السلام):
“جاهد نفسك على طاعة الله مجاهدة العدو عدوه، وغالبها مغالبة الضد ضده، فإنأقوى الناس من قوي على نفسه” (3).
وكذلك المداومة على الطاعات، فـ”ما من شيء أحب إلى الله عز وجل من عمل يداومعليه، وإن قل” (4).
فالاستمرار، ولو بالقليل، هو سر الثبات، وجسر الوصول.
*الصائم المبدع*
الصائمون ليسوا على مرتبةٍ واحدة، بل هم درجاتٌ في سلّم القرب:
الصائمون المثابرون:
وهم الذين يلتزمون بأحكام الصيام، فيصلون إلى قمة التقوى.
الصائمون المتميزون:
وهم الذين يحافظون على هذه القمة، فلا ينزلون عنها بعد رمضان.
الصائمون المبدعون:
وهم الذين لا يكتفون بالقمة، بل يصنعون قممًا جديدة، ويترجمون التقوى في كلتفاصيل حياتهم.
فكن من الفئة الثالثة…
كن ممن يحمل روح رمضان إلى بيته، إلى عمله، إلى علاقاته،
فتراه متقياً في كلمته، عادلاً في تعامله، رحيمًا في مواقفه، لا يظلم، ولا يعتدي، بل يكوننورًا يمشي بين الناس.
*لحظات الوداع*
وفي ختام هذا الشهر، لا نملك إلا أن نودّعه بقلوبٍ ممتلئة حبًا وامتنانًا، كما ودّعه الإمامزين العابدين عليه السلام:
أَلسَّلاَمُ عَلَيْكَ مِنْ شَهْر لا تُنَافِسُهُ الايَّامُ.
أَلسَّلاَمُ عَلَيْكَ مِنْ شَهْر هُوَ مِنْ كُلِّ أَمْر سَلاَمٌ.
أَلسَّلاَمُ عَلَيْكَ غَيْرَ كَرِيهِ الْمُصَاحَبَةِ وَلاَ ذَمِيمِ الْمُلاَبَسَةِ.
أَلسَّلاَمُ عَلَيْكَ كَمَا وَفَدْتَ عَلَيْنَا بِالْبَرَكَاتِ، وَغَسَلْتَ عَنَّا دَنَسَ الْخَطِيئاتِ.
أَلسَّلاَمُ عَلَيْكَ غَيْرَ مُوَدَّع بَرَماً وَلاَ مَتْرُوك صِيَامُهُ سَأَماً.
سلامٌ عليك يا شهر النور…
جئت فأنرت القلوب، وغادرت لتترك فيها أثرًا لا يُمحى.
فإن رحلتَ بأيامك، فلتبقَ معانيك حيّةً في أرواحنا… حتى نلقاك من جديد.
الهوامش:
1 ) ميزان الحكمة – محمد الريشهري – ج ٢ – الصفحة ١١١٦
2 ) غرر الحكم ودرر الكلم
3 ) ميزان الحكمة – محمد الريشهري – ج ١ – الصفحة ٤٥٤
4 ) ميزان الحكمة – محمد الريشهري – ج ٣ – الصفحة ٢١٢٤















